النويري

35

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال لابن زبنّج : أثبت قيمتها ، فكتب ذلك ، ووضعت العمامة بين يدي الأعرابىّ ؛ فكاد يدخل بعضه في بعض غيظا ، ولم يقدر على الكلام . قال : هات قلنسوتى ، فأخرج قلنسوة طويلة خلقا « 1 » قد علاها الوسخ والدّهن وتخرّقت تساوى نصف درهم . قال : قوّم ؛ فقال : قلنسوة الأمير تعلو هامته ، ويصلَّى فيها الصلوات الخمس ، ويجلس فيها للحكم ! ثلاثون دينارا . قال : أثبت ، فأثبت ذلك ، ووضعت القلنسوة بين يدي الأعرابىّ فاربدّ وجهه وحجظت عيناه وهمّ بالوثوب ، ثم تماسك وهو مقلقل . ثم قال لأشعب : هات ما عندك ؛ فأخرج خفّين خلقين قد نقبا وتقشّرا وتفتّتا ، فقال : قوّم ؛ فقال : خفّا الأمير يطأ بهما الروضة ، ويعلو بهما منبر النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم ! أربعون دينارا ، فقال : ضعهما بين يديه . ثم قال للأعرابى : أضمم إليك متاعك ، وقال لبعض الأعوان : امض مع الأعرابىّ واقبض ما بقي لنا عليه من ثمن المتاع ، وهو عشرون دينارا . فوثب الأعرابىّ فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم لا يألو في شدّة الرمي ، ثم قال له : أتدري في أي شئ أموت ؟ قال لا ؛ قال : لم أدرك « 2 » أباك عثمان فأشترك واللَّه في دمه إذ ولد مثلك ! ثم نهض كالمجنون حتى أخذ برأس بعيره ؛ وضحك أبان حتى سقط ، وضحك من كان معه . فكان الأعرابىّ بعد ذلك إذا لقى أشعب يقول له : هلمّ إلىّ يا بن الخبيثة ، حتى أكافئك على تقويمك « 3 » المتاع يوم قوّمت ؛ فيهرب منه أشعب . وقال المدائنىّ : حدّثنى شيخ من أهل المدينة قال : كانت امرأة شديدة العين ، لا تنظر إلى شئ فتستحسنه إلا عانته ؛ فدخلت على أشعب وهو في الموت ، وهو

--> « 1 » في الأصل « خلقة » وهو خطأ ، يقال : ثوب خلق وجبة خلق بغيرها . « 2 » كذا في الأغانى . وفي الأصول : « كيف لا أدركت » . « 3 » كذا في الأغانى . وفي الأصول : « قيمتك » ، وهو تحريف .